فصل: تفسير الآيات رقم (100- 103)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الخازن المسمى بـ «لباب التأويل في معاني التنزيل» ***


الحزء السادس

سورة يس

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 6‏]‏

‏{‏يس ‏(‏1‏)‏ وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ ‏(‏2‏)‏ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ‏(‏3‏)‏ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏4‏)‏ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ‏(‏5‏)‏ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ ‏(‏6‏)‏‏}‏

قول عز وجل‏:‏ ‏{‏يس‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ هو قسم، وعنه أن معناه يا إنسان بلغة طيئ يعني محمداً صلى الله عليه وسلم وقيل يا سيد البشر وقيل هو اسم للقرآن ‏{‏والقرآن الحكيم‏}‏ أي ذي الحكمة لأنه دليل ناطق بالحكمة وهو قسم وجوابه ‏{‏إنك لمن المرسلين‏}‏ أي أقسم بالقرآن أن محمداً صلى الله عليه وسلم لمن المرسلين وهو رد على الكفار حيث قالوا لست مرسلاً ‏{‏على صراط مستقيم‏}‏ معناه وإنك على صرط مستقيم، وقيل معناه إنك لمن المرسلين الذين هم على طريقة مستقيمة ‏{‏تنزيل العزيز الرحيم‏}‏ يعني القرآن تنزيل العزيز في ملكه الرحيم بخلقه ‏{‏لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم‏}‏ يعني لم تنذر آباؤهم لأن قريشاً لم يأتهم نبي قبل محمد صلى الله عليه وسلم وقيل معناه لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم من العذاب ‏{‏فهم غافلون‏}‏ أي عما يراد بهم من الإيمان والرشد‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏7- 11‏]‏

‏{‏لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏7‏)‏ إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ ‏(‏8‏)‏ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ‏(‏9‏)‏ وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ‏(‏10‏)‏ إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ‏(‏11‏)‏‏}‏

‏{‏لقد حق القول‏}‏ أي وجب العذاب‏.‏ ‏{‏على أكثرهم فهم لا يؤمنون‏}‏ فيه إشارة إلى إرادة الله تعالى السابقة فيهم فهم لا يؤمنون لما سبق لهم من القدر بذلك‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً‏}‏ نزلت في أبي جهل وصاحبيه المخزوميين وذلك أن أبا جهل حلف لئن رأى محمداً صلى الله عليه وسلم يصلي ليرضخن رأسه بالحجارة فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليدمغه به فلما رفعه انثنت يده إلى عنقه ولزق الحجر، بيده فلما رجع إلى أصحابه وأخبرهم بما رأى سقط الحجر فقال له رجل من بني مخزوم أنا أقتله بهذا الحجر فأتاه وهو يصلي ليرميه بالحجر فأعمى الله تعالى بصره فجعل يسمع صوته ولا يراه فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه فقالوا له ما صنعت فقال‏:‏ ما رأيته ولقد سمعت صوته وحال بيني وبينه كهيئة الفحل يخطر بذنبه لو دنوت منه لأكلني‏.‏ فأنزل الله تعالى ‏{‏إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً‏}‏ قيل هذا على وجه التمثيل، ولم يكن هناك غل، أراد منعناهم عن الإيمان بموانع فجعل الأغلال مثلاً لذلك وقيل حبسناهم عن الإنفاق في سبيل الله بموانع كالأغلال وقيل إنها موانع حسية منعت كما يمنع الغل وقيل إنها وصف في الحقيقة وهي ما سينزله الله عز وجل بهم في النار ‏{‏فهي‏}‏ يعني الأيدي ‏{‏إلى الأذقان‏}‏ جمع ذقن وهو أسفل اللحيين لأن الغل بجمع اليد إلى العنق ‏{‏فهم مقمحون‏}‏ يعني رافعو رؤوسهم مع غض البصر وقيل أراد أن الأغلال رفعت رؤوسهم فهم مرفعوا الرؤوس برفع الأغلال لها ‏{‏وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً‏}‏ معناه منعناهم عن الإيمان بموانع فهم لا يستطيعون الخروج من الكفر إلى الإيمان كالمضروب أمامه وخلفه بالأسداد وقيل حجبناهم بالظلمة عن أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأغشيناهم‏}‏ يعني فأعميناهم ‏{‏فهم لا يبصرون‏}‏ يعني سبيل الهدى ‏{‏وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون‏}‏ يعني من يرد الله إضلاله لم ينفعه الإنذار ‏{‏إنما تنذر من اتبع الذكر‏}‏ يعني إنما ينفع إنذارك من اتبع القرآن فعمل بما فيه ‏{‏وخشي الرحمن بالغيب‏}‏ أي خافه في السر والعلن ‏{‏فبشره بمغفرة‏}‏ يعني لذنوبه ‏{‏وأجر كريم‏}‏ يعني الجنة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏12- 13‏]‏

‏{‏إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ‏(‏12‏)‏ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ ‏(‏13‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنا نحن نحيي الموتى‏}‏ يعني للبعث ‏{‏ونكتب ما قدموا‏}‏ أي من الأعمال من خير وشر ‏{‏وآثارهم‏}‏ أي ونكتب ما سنوا من سنة حسنة أو سيئة ‏(‏م‏)‏ عن جرير بن عبد الله البجلي قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» وقيل نكتب خطاهم إلى المسجد عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال «كانت بنو سلمة في ناحية من المدينة فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد فنزلت هذه الآية ‏{‏إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم‏}‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم» إن آثاركم تكتب فلم ينتقلوا «أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب ‏(‏خ‏)‏ عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ أراد بنو سلمة أن يتحولوا إلى قرب المسجد فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعرى المدينة فقال‏:‏» يا بني سلمة ألا تحتسبون آثاركم‏؟‏ «فأقاموا‏.‏ قوله تعرى يعني تخلى فتترك عراء وهو الفضاء من الأرض الخالي الذي لا يستره شيء ‏(‏م‏)‏‏.‏ عن جابر قال خلت البقاع حول المسجد فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم‏:‏» بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد «فقالوا نعم يا رسول الله قد أردنا ذلك فقال‏:‏» بني سلمة دياركم تكتب آثاركم «فقالوا ما يسرنا إذا تحولنا‏.‏ قوله بني سلمة أي يا بني سلمة وقوله‏:‏ دياركم أي الزموا دياركم ‏(‏ق‏)‏‏.‏ عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم» أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجراً من الذي يصلي ثم ينام «‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكل شيء أحصيناه‏}‏ أي حفظناه وعددناه وأثبتناه ‏{‏في إمام مبين‏}‏ يعني اللوح المحفوظ‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏واضرب لهم مثلاً‏}‏ يعني صف لهم شبهاً مثل حالهم من قصة ‏{‏أصحاب القرية‏}‏ يعني أنطاكية ‏{‏إذ جاءها المرسلون‏}‏ يعني رسل عيسى عليه الصلاة والسلام‏.‏

‏(‏ذكر القصة في ذلك‏)‏ قال العلماء بأخبار الأنبياء بعث عيسى عليه السلام رسولين من الحواريين إلى أهل إنطاكية فلما قربا من المدينة رأيا شيخاً يرعى غنيمات له وهو حبيب النجار صاحب ياسين فسلما عليه فقال الشيخ لهما من أنتما فقالا رسولا عيسى عليه الصلاة والسلام ندعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرحمن فقال الشيخ لهما أمعكما آية قالا نعم نشفي المريض ونبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله قال الشيخ إن لي ابناً مريضاً منذ سنين قالا‏:‏ فانطلق بنا نطلع على حاله فأتى بهما إلى منزله فمسحا ابنه فقام في الوقت بإذن الله تعالى صحيحاً ففشا الخبر في المدينة وشفى الله تعالى على أيديهما كثيراً من المرضى وكان لهم ملك يعبد الأصنام اسمه انطيخس وكان من ملوك الروم فانتهى خبرهما إليه فدعا بهما، وقال‏:‏ من أنتما قالا‏:‏ رسولا عيسى عليه الصلاة والسلام، قال‏:‏ وفيم جئتما قالا ندعوك من عبادة ما لا يسمع ولا يبصر إلى عبادة من يسمع ويبصر فقال ولنا إله دون آلهتنا قالا نعم الذي أوجدك وآلهتك قال لهما‏:‏ قوما حتى أنظر في أمركما فتبعهما الناس فأخذوهما وضربوهما وقال وهب بعث عيسى عليه السلام هذين الرجلين إلى أنطاكية فأتياها فلم يصلا إلى ملكها وطالت مدة مقامهما فخرج الملك ذات يوم فكبرا وذكرا الله تعالى فغضب الملك وأمر بهما فحبسا وجلد كل واحد منهما مائتي جلدة فلما كذبا وضربا بعث عيسى عليه الصلاة والسلام رأس الحواريين شمعون الصفا على أثرهما ليبصرهما فدخل شمعون البلد متنكراً فجعل يعاشر حاشية الملك حتى أنسوا به فرفعوا خبره إلى الملك فدعاه وأنس به وأكرمه ورضي عشرته فقال للملك ذات يوم‏:‏ بلغني أنك حبست رجلين وضربتهما حين دعواك إلى غير دينك فهل كلمتهما وسمعت قولهما، فقال‏:‏ حال الغضب بيني وبين ذلك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏14- 20‏]‏

‏{‏إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ ‏(‏14‏)‏ قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ ‏(‏15‏)‏ قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ‏(‏16‏)‏ وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ‏(‏17‏)‏ قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏18‏)‏ قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ‏(‏19‏)‏ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ‏(‏20‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما‏}‏ قال وهب اسمهما يوحنا وبولس وقال كعب صادق وصدوق ‏{‏فعززنا بثالث‏}‏ يعني قوينا برسول ثالث وهو شمعون وقيل شلوم وإنما أضاف الله تعالى الإرسال إليه لأن عيسى عليه الصلاة والسلام إنما بعثهم بإذن الله عز وجل ‏{‏فقالوا‏}‏ يعني لم يرسل رسولاً ‏{‏إن أنتم إلا تكذبون‏}‏ يعني فيما تزعمون ‏{‏قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون‏}‏ يعني وإن كذبتمونا ‏{‏وما علينا إلا البلاغ المبين‏}‏ أي بالآيات الدالة على صدقنا ‏{‏قالوا إنا تطيرنا بكم‏}‏ أي تشاءمنا منكم وذلك لأن المطر حبس عنهم فقالوا أصابنا ذلك بشؤمكم ‏{‏لئن لم تنتهوا‏}‏ أي تسكتوا عنا ‏{‏لنرجمنكم‏}‏ يعني لنقتلنكم وقيل بالحجارة ‏{‏وليمسنكم منا عذاب أليم قالوا طائركم معكم‏}‏ يعني شؤمكم معكم بكفركم وتكذيبكم يعني أصابكم الشؤم من قبلكم وقال ابن عباس حظكم من الخير والشر ‏{‏أئن ذكرتم‏}‏ معناه اطيرتم لأن ذكرتم ووعظتم ‏{‏بل أنتم قوم مسرفون‏}‏ أي في ضلالكم وشرككم متمادون في غيكم‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى‏}‏ هو حبيب النجار وقيل كان قصاراً وقال وهب كان يعمل الحرير وكان سقيماً قد أسرع فيه الجذام وكان منزله عند أقصى باب من أبواب المسجد وكان مؤمناً ذا صدقة يجمع كسبه فإذا أمسى قسمه نصفين نصف لعياله ويتصدق بنصفه فلما بلغه أن قومه كذبوا الرسل وقصدوا قتلهم جاءهم ‏{‏قال يا قوم اتبعوا المرسلين‏}‏ وقيل كان في غار يعبد ربه فلما بلغه خبر الرسل أتاهم وأظهر دينه وقال لهم أتسألون على هذا أجراً قالوا لا فأقبل على قومه وقال يا قوم اتبعوا المرسلين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏21- 27‏]‏

‏{‏اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ ‏(‏21‏)‏ وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ‏(‏22‏)‏ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ ‏(‏23‏)‏ إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ‏(‏24‏)‏ إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ ‏(‏25‏)‏ قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ‏(‏26‏)‏ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ‏(‏27‏)‏‏}‏

‏{‏اتبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون‏}‏ أي لا تخسرون معهم شيئاً من دنياكم وتربحون صحة دينكم فيحصل لكم خير الدنيا والآخرة فلما قال ذلك قالوا له أو أنت مخالف لديننا ومتابع دين هؤلاء الرسل ومؤمن بإلههم فقال ‏{‏ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون‏}‏ قيل أضاف الفطرة إلى نفسه والرجوع إليهم لأن الفطرة أثر النعمة وكانت عليه أظهر والرجوع فيه معنى الزجر فكان بهم أليق وقيل معناه وأي شيء بي إذا لم أعبد خالقي وإليه تردون عند البعث فيجزيكم بأعمالكم ‏{‏أأتخذ من دونه آلهة‏}‏ أي لا أتخذ من دونه آلهة ‏{‏إن يردن الرحمن بضر‏}‏ أي بسوء ومكروه ‏{‏لا تغن عني‏}‏ أي لا تدفع عني ‏{‏شفاعتهم شيئاً‏}‏ أي لا شفاعة لها فتغني عني ‏{‏ولا ينقذون‏}‏ أي من ذلك المكروه وقيل من العذاب ‏{‏إني إذاً لفي ضلال مبين‏}‏ أي خطأ ظاهر ‏{‏إني آمنت بربكم فاسمعون‏}‏ أي فاشهدوا لي بذلك قيل هو خطاب للرسل وقيل هو خطاب لقومه فلما قال ذلك وثب القوم عليه وثبة رجل واحد فقتلوه‏.‏ قال ابن مسعود ووطئوه بأرجلهم حتى خرج قصبه من دبره وقيل كانوا يرمونه بالحجارة وهو يقول اللهم اهد قومي حتى أهلكوه وقبره بأنطاكية فلما لقي الله تعالى‏:‏ ‏{‏قيل‏}‏ له ‏{‏ادخل الجنة‏}‏ فلما أفضى إلى الجنة ورأى نعيمها ‏{‏قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين‏}‏ تمنى أن يعلم قومه أن الله تعالى غفر له وأكرمه ليرغبوا في دين الرسل فلما قتل غضب الله عز وجل له فعجَّل لهم العقوبة فأمر جبريل عليه الصلاة والسلام فصاح بهم صيحة واحدة فماتوا عن آخرهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏28- 32‏]‏

‏{‏وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ ‏(‏28‏)‏ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ ‏(‏29‏)‏ يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ‏(‏30‏)‏ أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ ‏(‏31‏)‏ وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ ‏(‏32‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء‏}‏ يعني الملائكة ‏{‏وما كنا منزلين‏}‏ أي ما كنا لنفعل هذا بل الأمر في إهلاكهم كان أيسر مما تظنون ثم بيَّن عقوبتهم فقال تعالى‏:‏ ‏{‏إن كانت إلا صيحة واحدة‏}‏ قال المفسرون أخذ جبريل بعضادتي باب المدينة وصاح بهم صيحة واحدة ‏{‏فإذا هم خامدون‏}‏ أي ميتون ‏{‏يا حسرة على العباد‏}‏ يعني يا لها حسرة وندامة وكآبة على العباد والحسرة أن يركب الإنسان من شدة الندم ما لا نهاية له حتى يبقى قلبه حسيراً قيل تحسروا على أنفسهم لما عاينوا من العذاب حيث لم يؤمنوا بالرسل الثلاثة فتمنوا الإيمان حيث لم ينفعهم وقيل تتحسر عليهم الملائكة حيث لم يؤمنوا بالرسل وقيل يقول الله تعالى يا حسرة على العباد يوم القيامة حيث لم يؤمنوا بالرسل ثم بين سبب تلك الحسرة فقال تعالى‏:‏ ‏{‏ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون‏}‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ألم يروا‏}‏ أي ألم يخبروا خطاب لأهل مكة ‏{‏كم أهلكنا قبلهم من القرون‏}‏ أي من الأمم الخالية من أهل كل عصر سموا بذلك لاقترانهم في الوجود ‏{‏أنهم إليهم لا يرجعون‏}‏ أي لا يعودون إلى الدنيا أفلا يعتبرون بهم ‏{‏وإن كل لما جميع لدينا محضرون‏}‏ يعني أن جميع الأمم يحضرون يوم القيامة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏33- 42‏]‏

‏{‏وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ‏(‏33‏)‏ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ ‏(‏34‏)‏ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ‏(‏35‏)‏ سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏36‏)‏ وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ ‏(‏37‏)‏ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ‏(‏38‏)‏ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ‏(‏39‏)‏ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ‏(‏40‏)‏ وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ‏(‏41‏)‏ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ ‏(‏42‏)‏‏}‏

‏{‏وآية لهم‏}‏ يعني تدلهم على كمال قدرتنا على إحياء الموتى ‏{‏الأرض الميتة أحييناها‏}‏ أي بالمطر ‏{‏وأخرجنا منها‏}‏ أي من الأرض ‏{‏حباً‏}‏ يعني الحنطة والشعير وما أشبههما ‏{‏فمنه يأكلون‏}‏ أي من الحب ‏{‏وجعلنا فيها‏}‏ يعني في الأرض ‏{‏جنات‏}‏ يعني بساتين ‏{‏من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون ليأكلوا من ثمره‏}‏ يعني من الثمر الحاصل بالماء ‏{‏وما عملته أيديهم‏}‏ يعني من الزرع والغرس الذي تعبوا فيه وقرئ عملت بغير هاء وقيل ما للنفي والمعنى ولم تعمله أيديهم وليس من صنيعهم بل وجدوها معمولة وقيل أراد العيون والأنهار التي لم تعملها يد خلق مثل النيل والفرات ودجلة ‏{‏أفلا يشكرون‏}‏ يعني نعمة الله تعالى ‏{‏سبحان الذي خلق الأزواج كلها‏}‏ يعني الأصناف كلها ‏{‏مما تنبت الأرض‏}‏ أي من الأشجار والثمار والحبوب ‏{‏ومن أنفسهم‏}‏ يعني الذكر والأنثى ‏{‏ومما لا يعلمون‏}‏ يعني مما خلق الله تعالى من الأشياء في البر والبحر من الدواب‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وآية لهم‏}‏ يعني تدلهم على قدرتنا ‏{‏الليل نسلخ‏}‏ أي ننزع ونكشط ‏{‏منه النهار فإذا هم مظلمون‏}‏ يعني فإذا هم في الظلمة وذلك أن الأصل هي الظلمة والنهار داخل عليها فإذا غربت الشمس سلخ النهار من الليل فتظهر الظلمة ‏{‏والشمس تجري لمستقر لها‏}‏ يعني إلى مستقر لها قيل إلى انتهاء سيرها عند انقضاء الدنيا وقيام الساعة وقيل تسير في منازلها حتى تنتهي إلى مستقرها الذي لا تجاوزه ثم ترجع إلى أول منازلها وهو أنها تسير حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها ثم ترجع فذلك مستقرها وقيل مستقرها نهاية ارتفاعها في السماء في الصيف ونهاية هبوطها في الشتاء‏.‏ وقرأ ابن مسعود والشمس تجري لا مستقر لها أي لا قرار ولا وقوف فهي جارية أبداً إلى يوم القيامة وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو ذر قال «سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله والشمس تجري لمستقر لها قال مستقرها تحت العرش» وفي رواية قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر حين غربت الشمس «أتدري أين تذهب الشمس» قال الله ورسوله أعلم قال «إنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها فيقال لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها» فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم‏}‏ أخرجاه في الصحيحين قال الشيخ محيي الدين النووي اختلف المفسرون فيه فقال جماعة بظاهر الحديث‏.‏ قال الواحدي فعلى هذا القول إذا غربت الشمس كل يوم استقرت تحت العرش إلى أن تطلع وقيل تجري إلى وقت لها وأصل لا تتعداه وعلى هذا مستقرها انتهاء سيرها عند انقضاء الدنيا وأما سجود الشمس فهو تمييز وإدراك يخلقه الله تعالى فيها والله أعلم ‏{‏ذلك‏}‏ يعني الذي ذكر من جرى الشمس على ذلك التقدير والحساب الذي يكل النظر عن استخراجه وتتحير الأفهام عن استنباطه ‏{‏تقدير العزيز‏}‏ يعني الغالب بقدرته على كل شيء مقدور ‏{‏العليم‏}‏ يعني المحيط علماً بكل شيء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏43- 49‏]‏

‏{‏وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ ‏(‏43‏)‏ إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ ‏(‏44‏)‏ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ‏(‏45‏)‏ وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ ‏(‏46‏)‏ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ‏(‏47‏)‏ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏48‏)‏ مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ‏(‏49‏)‏‏}‏

‏{‏وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم‏}‏ يعني لا مغيث لهم ‏{‏ولا هم ينقذون‏}‏ يعني ينجون من الغرق قال ابن عباس ولا أحد ينقذهم من عذابي ‏{‏إلا رحمة منا ومتاعاً إلى حين‏}‏ يعني إلا أن يرحمهم الله ويمتعهم إلى انقضاء آجالهم ‏{‏وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم‏}‏ قال ابن عباس ‏{‏ما بين أيديكم‏}‏ يعني الآخرة فاعملوا لها ‏{‏وما خلفكم‏}‏ يعني الدنيا فاحذروها ولا تغتروا بها‏.‏

وقيل ‏{‏ما بين أيديكم‏}‏ يعني وقائع الله تعالى بمن كان من قبلكم من الأمم ‏{‏وما خلفكم‏}‏ يعني الآخرة ‏{‏لعلكم ترحمون‏}‏ أي لتكونوا على رجاء الرحمة وجواب إذا محذوف تقديره وإذا قيل لهم اتقوا أعرضوا ويدل على الحذف قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما تأتيهم من آية من آيات ربهم‏}‏ أي دلالة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم ‏{‏إلا كانوا عنها معرضين‏}‏ قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم‏}‏ أي مما أعطاكم ‏{‏الله‏}‏ نزلت في كفار قريش وذلك أن المؤمنين قالوا لكفار مكة أنفقوا على المساكين مما زعمتم أنه لله تعالى من أموالكم وهو ما جعلوه لله من حروثهم وأنعامهم ‏{‏قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم‏}‏ أي أنرزق ‏{‏من لو يشاء الله أطعمه‏}‏ أي رزقه قيل كان العاص بن وائل السهمي إذا سأله المسكين قال له اذهب إلى ربك فهو أولى مني بك ويقول قد منعه أفأطعمه أنا ومعنى الآية أنهم قالوا لو أراد الله أن يرزقهم لرزقهم فنحن نوافق مشيئة الله فيهم فلا نطعم من لم يطعمه وهذا مما يتمسك به البخلاء يقولون لا نعطي من حرمه الله وهذا الذي يزعمون باطل لأن الله تعالى أغنى بعض الخلق وأفقر بعضهم ابتلاء فمنع الدنيا من الفقير لا بخلاً وأعطى الدنيا الغني لا استحقاقاً وأمر الغني بالإنفاق لا حاجة إلى ماله ولكن ليبلو الغني بالفقير فيما فرض له من مال الغني ولا اعتراض لأخذ في مشيئة الله وحكمته في خلقه والمؤمن يوافق أمر الله تعالى وقيل قالوا هذا على سبيل الاستهزاء ‏{‏إن أنتم إلا في ضلال مبين‏}‏ قيل هو من قول الكفار للمؤمنين ومعناه ما أنتم إلا في خطأ بيِّن باتباعكم محمداً وترك ما نحن عليه وقيل هو من قول الله تعالى للكفار لما ردوا من جواب المؤمنين ‏{‏ويقولون متى هذا الوعد‏}‏ يعني يوم القيامة والبعث ‏{‏إن كنتم صادقين‏}‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏ما ينظرون‏}‏ أي ينتظرون ‏{‏إلا صيحة واحدة‏}‏ قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يريد النفخة الأولى ‏{‏تأخذهم وهم يخصمون‏}‏ أي في أمر الدنيا من البيع والشراء ويتكلمون في الأسواق والمجالس وفي متصرفاتهم فتأتيهم الساعة أغفل ما كانوا عنها، وقد صح في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال

تفسير الآيات رقم ‏[‏50- 55‏]‏

‏{‏فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ‏(‏50‏)‏ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ‏(‏51‏)‏ قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ‏(‏52‏)‏ إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ ‏(‏53‏)‏ فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏54‏)‏ إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ ‏(‏55‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا يستطيعون توصية‏}‏ أي لا يقدرون على الإيصاء بل أعجلوا عن الوصية فماتوا ‏{‏ولا إلى أهلهم يرجعون‏}‏ يعني لا يقدرون على الرجوع إلى أهلهم لأن الساعة لا تمهلهم بشيء ‏{‏ونفخ في الصور‏}‏ هذه النفخة الثانية وهي نفخة البعث وبين النفختين أربعون سنة ‏(‏ق‏)‏ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما بين النفختين أربعون قالوا يا أبا هريرة أربعين يوماً قال أبيت قالوا أربعين شهراً قال أبيت قالوا أربعين سنة قال أبيت ثم ينزل من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل وليس من الإنسان شيء لا يبلى إلا عظماً واحداً وهو عجب الذنب ومنه يركب الخلق يوم القيامة» ‏{‏فإذا هم من الأجداث‏}‏ أي القبور ‏{‏إلى ربهم ينسلون‏}‏ أي يخرجون منها أحياء ‏{‏قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا‏}‏ قال ابن عباس إنما يقولون هذا لأن الله تعالى يرفع عنهم العذاب بين النفختين فيرقدون فإذا بعثوا بعد الثانية وعاينوا أهوال القيامة دعوا بالويل‏.‏ وقيل إذا عاين الكفار جهنم وأنواع عذابها صار عذاب القبر في جنبها كالنوم فقالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا ‏{‏هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون‏}‏ أقروا حين لا ينفعهم الإقرار‏.‏ وقيل قالت لهم الملائكة ذلك وقيل يقول الكفار من بعثنا من مرقدنا فيقول المؤمنون هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ‏{‏إن كانت إلا صيحة واحدة‏}‏ يعني النفخة الأخيرة ‏{‏فإذا هم جميع لدينا محضرون‏}‏ أي للحساب ‏{‏فاليوم لا تظلم نفس شيئاً ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون‏}‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن أصحاب الجنة اليوم في شغل‏}‏ قال ابن عباس في افتضاض الأبكار وقيل في زيارة بعضهم بعضاً وقيل في ضيافة الله تعالى وقيل في السماع وقيل شغلوا بما في الجنة من النعيم عما فيه أهل النار من العذاب الأليم ‏{‏فاكهون‏}‏ قال ابن عباس فرحون وقيل ناعمون وقيل معجبون بما هم فيه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏56- 60‏]‏

‏{‏هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ ‏(‏56‏)‏ لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ ‏(‏57‏)‏ سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ‏(‏58‏)‏ وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ‏(‏59‏)‏ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ‏(‏60‏)‏‏}‏

‏{‏هم وأزواجهم في ظلال‏}‏ يعني أكنان القصور ‏{‏على الأرائك‏}‏ يعني السرر في الحجال ‏{‏متكئون‏}‏ يعني ذوو اتكاء تحت تلك الظلال ‏{‏لهم فيها فاكهة‏}‏ أي في الجنة ‏{‏ولهم ما يدعون‏}‏ يعني ما يتمنون ويشتهون والمعنى أن كل ما يدعون أي أهل الجنة يأتيهم ‏{‏سلام قولاً من رب رحيم‏}‏ يعني يسلم الله عز وجل عليهم روى البغوي بإسناد الثعلبي عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب عز وجل قد أشرف عليهم من فوقهم فقال السلام عليكم يا أهل الجنة فذلك قوله عز وجل ‏{‏سلام قولاً من رب رحيم‏}‏ ينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم فيبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم» وقيل تسلم الملائكة عليهم من ربهم وقيل تدخل الملائكة على أهل الجنة من كل باب يقولون سلام عليكم من ربكم الرحيم وقيل يعطيهم السلامة يقول اسلموا السلام الأبدية ‏{‏وامتازوا اليوم أيها المجرمون‏}‏ يعني اعتزلوا وانفردوا وتميزوا اليوم من المؤمنين الصالحين وكونوا على حدة وقيل إن لكل كافر في النار بيتاً فيدخل ذلك البيت ويردم بابه فيكون فيه أبد الآبدين لا يرى ولا يرى فعلى هذا القول يمتاز بعضهم عن بعض‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏ألم أعهد إليكم يا بني آدم‏}‏ أي ألم آمركم وأوصيكم يا بني آدم ‏{‏أن لا تعبدوا الشيطان‏}‏ يعني لا تطيعوه فيما يوسوس ويزين لكم من معصية الله ‏{‏إنه لكم عدو مبين‏}‏ أي ظاهر العداوة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏61- 65‏]‏

‏{‏وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ‏(‏61‏)‏ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ‏(‏62‏)‏ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ‏(‏63‏)‏ اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ‏(‏64‏)‏ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ‏(‏65‏)‏‏}‏

‏{‏وأن اعبدوني‏}‏ أي أطيعوني ووحدوني ‏{‏هذا صراط مستقيم‏}‏ أي لا صراط أقوم منه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولقد أضل منكم جبلاً كثيراً‏}‏ أي خلقاً كثيراً ‏{‏أفلم تكونوا تعقلون‏}‏ يعني ما أتاكم من هلاك الأمم الخالية بطاعة إبليس ويقال لهم لما دنوا من النار ‏{‏هذه جهنم التي كنتم توعدون‏}‏ يعني بها في الدنيا ‏{‏اصلوها‏}‏ يعني ادخلوها ‏{‏اليوم بما كنتم تكفرون‏}‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون‏}‏ معنى الآية أن الكفار ينكرون ويجحدون كفرهم وتكذيبهم الرسل، ويقولون والله ربنا ما كنا مشركين فيختم الله على أفواههم وتنطق جوارحهم ليعلموا أن أعضاءهم التي كانت عوناً لهم على المعاصي صارت شاهدة عليهم وذلك أن إقرار الجوارح أبلغ من إقرار اللسان‏.‏

فإن قلت ما الحكمة في تسمية نطق اليد كلاماً ونطق الرجل شهادة‏؟‏

قلت إن اليد مباشرة والرجل حاضرة وقول الحاضر على غيره شهادة بما رأى وقول الفاعل إقرار على نفسه بما فعل ‏(‏م‏)‏ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال «سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة قال‏:‏ هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليست في سحابة قالوا لا يا رسول الله قال فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحابة قالوا لا قال فوالذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما قال فيلقى العبد ربه فيقول أي فل ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع فيقول بلى يا رب فيقول أفظننت أنك ملاقي فيقول لا فيقول اليوم أنساك كما نسيتني ثم يلقى الثاني فيقول أي فل ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع فيقول بلى يا رب فيقول أفظننت أنك ملاقي فيقول لا فيقول اليوم أنساك كما نسيتني ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك فيقول يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع فيقول هاهنا إذا قال ثم يقول له الآن نبعث شاهدنا عليك فيتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد عليَّ فيختم على فيه ويقال لفخذه ولحمه وعظامه انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك الذي يسخط الله عليه» قوله أي فل يعني يا فلان قوله وأسودك أي أجعلك سيداً قوله وأذرك ترأس أي تتقدم على القوم بأن تصير رئيسهم وتربع أي تأخذ المرباع وهو ما يأخذه رئيس الجيش لنفسه من الغنائم وهو ربعها وروى ترتع بتاءين أي تتنعم وتنبسط من الرتع قوله وذلك ليعذر من نفسه أي ليقيم الحجة عليها بشهادة أعضائه عليه ‏(‏م‏)‏ عن أنس بن مالك قال

تفسير الآيات رقم ‏[‏66- 69‏]‏

‏{‏وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ ‏(‏66‏)‏ وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ ‏(‏67‏)‏ وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ ‏(‏68‏)‏ وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآَنٌ مُبِينٌ ‏(‏69‏)‏‏}‏

‏{‏ولو نشاء لطمسنا على أعينهم‏}‏ أي أذهبنا أعينهم الظاهرة بحيث لا يبدو لها جفن ولا شق والمعنى ولو نشاء لأعمينا أعينهم الظاهرة كما أعمينا قلوبهم ‏{‏فاستبقوا الصراط‏}‏ أي فبادروا إلى الطريق ‏{‏فأنى يبصرون‏}‏ أي كيف يبصرون وقد أعمينا أعينهم والمعنى ولو نشاء لأضللناهم عن الهدى وتركناهم عمياً يترددون فكيف يبصرون الطريق حينئذ وقال ابن عباس يعني لو نشاء لفقأنا أعين ضلالتهم فأعميناهم عن غيهم وحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى فأبصروا رشدهم فأنى يبصرون ولم نفعل ذلك بهم ‏{‏ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم‏}‏ يعني ولو نشاء لجعلناهم قردة وخنازير في منازلهم وقيل لجعلناهم حجارة لا أرواح فيها ‏{‏فما استطاعوا مضياً‏}‏ أي لا يقدرون أن يبرحوا ‏{‏ولا يرجعون‏}‏ أي إلى ما كانوا عليه وقيل لا يقدرون على الذهاب ولا الرجوع ‏{‏ومن نعمره ننكسه في الخلق‏}‏ أي نرده إلى أرذل العمر شبه الصبي في أول الخلق وقيل نضعف جوارحه بعد قوتها وننقصها بعد زيادتها وذلك أن الله تعالى خلق الإنسان في ضعف من جسده وخلو من عقل وعلم في حال صغره ثم جعله يتزايد وينتقل من حال إلى حال إلى أن بلغ أشده واستكمل قوته وعقله وعلم ما له وما عليه فإذا انتهى إلى الغاية واستكمل النهاية رجع ينقص حتى يرد إلى ضعفه الأول فذلك نكسه في الخلق ‏{‏أفلا يعقلون‏}‏ أي فيعتبرون ويعلمون أن الذي قدر على تصريف أحوال الإنسان قادر على البعث بعد الموت قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وما علمناه الشعر وما ينبغي له‏}‏ قيل إن كفار قريش قالوا إن محمداً شاعر وما يقوله شعر فأنزل الله تعالى تكذيباً لهم وما علمناه الشعر وما ينبغي له أي ما يسهل له ذلك وما يصلح منه بحيث لو أراد نظم شعر لم يتأت له ذلك كما جعلناه أمياً لا يكتب ولا يحسب لتكون الحجة أثبت والشبهة أدحض قال العلماء ما كان يتزن له بيت شعر وإن تمثل ببيت شعر جرى على لسانه منكسراً كما روي عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتمثل بهذا البيت‏:‏ كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهياً فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه يا نبي الله إنما قال الشاعر‏:‏ كفى الشيب والإسلام للمرء ناهياً‏:‏ أشهد أنك رسول الله صلى الله عليه وسلم وما علمناه الشعر وما ينبغي له «هذا حديث مرسل وروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها وقد قيل لها» هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر قالت كان يتمثل بشعر ابن رواحة ويقول‏:‏ وياتيك بالأخبار من لم تزود «‏.‏

أخرجه الترمذي وفي رواية لغيره» أن عائشة رضي الله تعالى عنها سئلت هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر قالت كان الشعر أبغض الحديث إليه ولم يتمثل إلا بيت أخي بني قيس طرفة‏:‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏70- 78‏]‏

‏{‏لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ ‏(‏70‏)‏ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ ‏(‏71‏)‏ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ ‏(‏72‏)‏ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ‏(‏73‏)‏ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ ‏(‏74‏)‏ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ ‏(‏75‏)‏ فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ‏(‏76‏)‏ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ‏(‏77‏)‏ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ‏(‏78‏)‏‏}‏

‏{‏لتنذر‏}‏ أي يا محمد وقرئ بالياء أي القرآن ‏{‏من كان حياً‏}‏ يعني مؤمناً حي القلب لأن الكافر كالميت الذي لا يتدبر ولا يتفكر ‏{‏ويحق القول‏}‏ أي وتجب حجة العذاب ‏{‏على الكافرين‏}‏ قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا‏}‏ أي تولينا خلقه بإبداعنا له من غير إعانة أحد في إنشائه كقول القائل عملت هذا بيدي إذا تفرد به ولم يشاركه فيه أحد وقيل عملناه بقوتنا وقدرتنا وإنما قال ذلك لبدائع الفطرة التي لا يقدر عليها إلا هو ‏{‏أنعاماً‏}‏ إنما خص الأنعام بالذكر وإن كانت الأشياء كلها من خلق الله تعالى وإيجاده لأن النعم أكثر أموال العرب والنفع بها أعم ‏{‏فهم لها مالكون‏}‏ أي خلقناها لأجلهم فملكناهم إياها يتصرفون فيها تصرف الملاك‏.‏

وقيل معناه فهم لها ضابطون قاهرون ومنه قول بعضهم‏:‏

أصبحت لا أحمل السلاح ولا *** أملك رأس البعير إن نفرا

أي لا أضبط رأس البعير والمعنى لم تخلق الأنعام وحشية نافرة من بني آدم لا يقدرون على ضبطها بل خلقناها مذللة مسخرة لهم وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وذللناها لهم فمنها ركوبهم‏}‏ أي الإبل ‏{‏ومنها يأكلون‏}‏ أي الغنم ‏{‏ولهم فيها منافع‏}‏ أي من أصوافها وأوبارها وأشعارها وجلودها ونسلها ‏{‏ومشارب‏}‏ أي من ألبانها ‏{‏أفلا يشكرون‏}‏ أي رب هذه النعم ‏{‏واتخذوا من دون الله آلهة‏}‏ يعني الأصنام ‏{‏لعلهم ينصرون‏}‏ أي لتمنعهم من عذاب الله ولا يكون ذلك قط ‏{‏لا يستطيعون نصرهم‏}‏ قال ابن عباس لا تقدر الأصنام على نصرهم ومنعهم من العذاب ‏{‏وهم لهم جند محضرون‏}‏ أي الكفار جند الأصنام يغضبون لها ويحضرونها في الدنيا وهي لا تسوق إليهم خيراً ولا تستطيع لهم نصراً وقيل هذا في الآخرة يؤتى بكل معبود من دون الله ومعه أتباعه الذين عبدوه في الدنيا كأنهم جند محضرون في النار ‏{‏فلا يحزنك قولهم‏}‏ يعني قول كفار مكة في تكذيبك يا محمد ‏{‏إنا نعلم ما يسرون‏}‏ أي في ضمائرهم من التكذيب ‏{‏وما يعلنون‏}‏ أي من عبادة الأصنام وقيل ما يعلنون بألسنتهم من الأذى‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة‏}‏ أي من نطفة قذرة خسيسة ‏{‏فإذا هو خصيم مبين‏}‏ أي جدل بالباطل بين الخصومة والمعنى العجب من جهل هذا المخاصم مع مهانة أصله كيف يتصدى لمخاصمة الجبار ويبرز لمجادلته في إنكاره البعث وكيف لا يتفكر في بدء خلقه وأنه من نطفة قذرة ويدع الخصومة نزلت في أبي بن خلف الجمحي خاصم النبي صلى الله عليه وسلم في إنكار البعث وأتاه بعظم قد رم وبلي ففتته بيده وقال أترى يحيي الله هذا بعد ما رم فقال النبي صلى الله عليه وسلم «نعم ويبعثك ويدخلك النار» فأنزل الله تعالى هذه الآيات ‏{‏وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه‏}‏ أي بدأ أمره ‏{‏قال من يحيي العظام وهي رميم‏}‏ أي بالية والمعنى وضرب لنا مثلاً في إنكار البعث بالعظم البالي حين فتته بيده وتعجب ممن يقول إن الله تعالى يحييه ونسي أول خلقه وأنه مخلوق من نطفة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏79- 83‏]‏

‏{‏قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ‏(‏79‏)‏ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ‏(‏80‏)‏ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ‏(‏81‏)‏ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ‏(‏82‏)‏ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ‏(‏83‏)‏‏}‏

‏{‏قل يحييها الذي أنشأها أول مرة‏}‏ أي خلقها أول مرة وابتدأ خلقها ‏{‏وهو بكل خلق‏}‏ أي من الابتداء والإعادة ‏{‏عليم‏}‏ أي يعلم كيف يخلق لا يتعاظمه شيء من خلق المبدأ أو المعاد ‏{‏الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً‏}‏ قال ابن عباس رضي الله عنهما هما شجرتان يقال لإحداهما المرخ بالراء والخاء المعجمة والأخرى العفار بالعين المهملة فمن أراد النار قطع منهما غصنين مثل السواكين وهما خضراوان يقطر منهما الماء فيسحق المرخ على العفار فتخرج منهما النار بإذن الله تعالى تقول العرب في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار أي استكثر منها وذلك أن هاتين الشجرتين من أكثر الشجر ناراً وقال الحكماء في كل شجر نار إلا العناب ‏{‏فإذا أنتم منه توقدون‏}‏ أي تقدحون فتوقدون النار من ذلك الشجر ثم ذكر ما هو أعظم من خلق الإنسان فقال تعالى‏:‏ ‏{‏أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى‏}‏ أي هو القادر على ذلك ‏{‏وهو الخلاق‏}‏ يعني يخلق خلقاً بعد خلق ‏{‏العليم‏}‏ أي بجميع ما خلق ‏{‏إنما أمره إذا أراد شيئاً‏}‏ أي إحداث شيء وتكوينه ‏{‏أن يقول له كن‏}‏ أن يكونه من غير توقف ‏{‏فيكون‏}‏ أي فيحدث ويوجد لا محالة ‏{‏فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء‏}‏ أي هو مالك كل شيء والمتصرف فيه ‏{‏وإليه ترجعون‏}‏ أي تردون بعد الموت والله أعلم‏.‏

سورة الصافات

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 6‏]‏

‏{‏وَالصَّافَّاتِ صَفًّا ‏(‏1‏)‏ فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا ‏(‏2‏)‏ فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا ‏(‏3‏)‏ إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ ‏(‏4‏)‏ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ ‏(‏5‏)‏ إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ ‏(‏6‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏والصافات صفاً‏}‏ قال ابن عباس هم الملائكة يصفون كصفوف الخلق في الدنيا للصلاة ‏(‏م‏)‏ عن جابر بن سمرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم قلنا وكيف تصف الملائكة عند ربهم قال يتمون الصفوف المتقدمة ويتراصون في الصف» لفظ أبي داود وقيل هم الملائكة تصف أجنحتها في الهواء واقفة حتى يأمرها الله تعالى بما يريد وقيل أراد بالصافات الطير تصف أجنحتها في الهواء ‏{‏فالزاجرات زجراً‏}‏ يعني الملائكة تزجر السحاب وتسوقه وقيل هي زواجر القرآن تنهى وتزجر عن القبيح ‏{‏فالتاليات ذكراً‏}‏ يعني الملائكة يتلون ذكر الله تعالى وقيل هم قرَّاء القرآن وهذا كله قسم أقسم الله عز وجل بهذه الأشياء وقيل فيه إضمار تقديره ورب الصافات والزاجرات والتاليات وجواب القسم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن إلهكم لواحد‏}‏ وذلك أن كفار مكة قالوا أجعل الآلهة إلهاً واحداً فأقسم الله تعالى بهذه الأشياء للتنبيه على شرف ذواتها وكمال مراتبها والرد على عبدة الأصنام في قولهم ثم وصف نفسه فقال تعالى‏:‏ ‏{‏رب السموات والأرض وما بينهما‏}‏ يعني أنه المالك القادر العالم المنزه عن الشريك‏.‏

وقوله ‏{‏ورب المشارق‏}‏ قيل أراد والمغارب فاكتفى بأحدهما قال السدي المشارق ثلاثمائة وستون مشرقاً وكذلك المغارب فإن الشمس تطلع كل يوم في مشرق وتغرب في مغرب‏.‏ فإن قلت قد قال في موضع آخر رب المشرق ورب المغربين وقال رب المشرق والمغرب فكيف وجه الجمع بين هذه الآيات‏.‏

قلت أراد بالمشرق والمغرب الجهة التي تطلع فيها الشمس وتغرب وأراد بالمشرقين مشرق الصيف ومشرق الشتاء، وبالمغربين مغرب الصيف ومغرب الشتاء وبالمشارق والمغارب ما تقدم من قول السدي وقيل كل موضع شرقت عليه الشمس فهو مشرق وكل موضع غربت عليه فهو مغرب وقيل أراد مشارق الكواكب‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنا زينا السماء الدنيا‏}‏ يعني التي تلي الأرض وهي أدنى السموات إلى الأرض ‏{‏بزينة الكواكب‏}‏ قال ابن عباس بضوء الكواكب لأن الضوء والنور من أحسن الصفات وأكملها ولو لم تحصل هذه الكواكب في السماء لكانت شديدة الظلمة عند غروب الشمس وقيل زينتها أشكالها المتناسبة والمختلفة في الشكل كشكل الجوزاء وبنات نعش وغيرها‏.‏ وقيل إن الإنسان إذا نظر في الليلة المظلمة إلى السماء ورأى هذه الكواكب الزواهر مشرقة متلألئة على سطح أزرق نظر غاية الزينة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏7- 11‏]‏

‏{‏وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ ‏(‏7‏)‏ لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ‏(‏8‏)‏ دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ ‏(‏9‏)‏ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ‏(‏10‏)‏ فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ ‏(‏11‏)‏‏}‏

‏{‏وحفظاً من كل شيطان مارد‏}‏ أي وحفظنا السماء من كل شيطان متمرد عات يرمون بالشهب ‏{‏لا يسمعون إلى الملأ الأعلى‏}‏ يعني إلى الملائكة والكتبة لأنهم سكان السماء وذلك أن شياطين يصعدون إلى قرب السماء فربما سمعوا كلام الملائكة فيخبرون به أولياءهم الإنس ويوهمون بذلك أنهم يعلمون الغيب فمنعهم الله من ذلك بهذه الشهب وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ويقذفون‏}‏ أي يرمون بها ‏{‏من كل جانب‏}‏ أي آفاق السماء ‏{‏دحوراً‏}‏ أي يبعدونهم عن مجالس الملائكة ‏{‏ولهم عذاب واصب‏}‏ أي دائم ‏{‏إلا من خطف الخطفة‏}‏ أي اختلس الكلمة من كلام الملائكة ‏{‏فأتبعه‏}‏ أي لحقه ‏{‏شهاب ثاقب‏}‏ أي كوكب مضيء قوي لا يخطئه بل يقتله ويحرقه أو يخبله‏.‏ وقيل سمي النجم الذي ترمى به الشياطين ثاقباً لأنه يثقبهم‏.‏

فإن قلت كيف يمكن أن تذهب الشياطين إلى حيث يعلمون أن الشهب تحرقهم ولا يصلون إلى مقصودهم ثم يعودون إلى مثل ذلك‏.‏

قلت إنما يعودون إلى استراق السمع مع علمهم أنهم لا يصلون إليه طمعاً في السلامة ورجاء نيل المقصود كراكب البحر يغلب على ظنه حصول السلامة‏.‏

وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فاستفتهم‏}‏ يعني سل أهل مكة ‏{‏أهم أشد خلقاً أم من خلقنا‏}‏ يعني من السموات والأرض والجبال وهو استفهام تقرير أي هذه الأشياء أشد خلقاً وقيل ‏{‏أم من خلقنا‏}‏ يعني من الأمم الخالية والمعنى أن هؤلاء ليسوا بأحكم خلقاً من غيرهم من الأمم وقد أهلكناهم بذنوبهم فما الذي يؤمن هؤلاء من العذاب‏.‏

ثم ذكر مم خلقوا فقال الله تعال‏:‏ ‏{‏إنا خلقناهم من طين لازب‏}‏ يعني آدم من طين جيد حر لاصق لزج يعلق باليد وقيل من طين نتن‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏12- 19‏]‏

‏{‏بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ‏(‏12‏)‏ وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ ‏(‏13‏)‏ وَإِذَا رَأَوْا آَيَةً يَسْتَسْخِرُونَ ‏(‏14‏)‏ وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ‏(‏15‏)‏ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ‏(‏16‏)‏ أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ ‏(‏17‏)‏ قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ ‏(‏18‏)‏ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ ‏(‏19‏)‏‏}‏

‏{‏بل عجبت‏}‏ قرئ بالضم على إسناد التعجب إلى الله تعالى وليس هو كالتعجب من الآدميين لأن العجب من الناس محمول على إنكار الشيء وتعظيمه والعجب من الله تعالى محمول على تعظيم تلك الحالة فإن كانت قبيحة فيترتب عليها العقاب وإن كانت حسنة فيترتب عليها الثواب وقيل قد يكون بمعنى الإنكار والذم وقد يكون بمعنى الاستحسان والرضا كما جاء في الحديث «عجب ربكم من شاب ليست له صبوة» وفي حديث آخر «عجب ربكم من إلكم وقنوطكم وسرعة إجابته إياكم»، وقوله من إلكم الإل أشد القنوط وقيل هو رفع الصوت بالبكاء‏.‏ وسئل الجنيد رحمه الله تعالى عن هذه الآية فقال إن الله لا يعجب من شيء ولكن وافق رسوله ولما عجب رسوله قال‏:‏ ‏{‏وإن تعجب فعجب قولهم‏}‏ أي هو كما تقوله وقرئ بفتح التاء على أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي عجبت من تكذيبهم إياك وهم يسخرون من تعجبك وقيل عجب نبي الله صلى الله عليه وسلم من هذا القرآن حين أنزل وضلال بني آدم وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يظن أن كل من يسمع القرآن يؤمن به فلما سمع المشركون القرآن وسخروا منه ولم يؤمنوا به عجب من ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال الله تعالى ‏{‏بل عجبت ويسخرون وإذا ذكروا لا يذكرون‏}‏ أي وإذا وعظوا لا يتعظون ‏{‏وإذا رأوا آية‏}‏ قال ابن عباس يعني انشقاق القمر ‏{‏يستسخرون‏}‏ أي يستهزئون‏.‏

وقيل يستدعي بعضهم بعضاً إلى أن يسخر ‏{‏وقالوا إن هذا إلا سحر مبين‏}‏ أي بيِّن ‏{‏أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أإنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون قل نعم وأنتم داخرون‏}‏ أي صاغرون ‏{‏فإنما هي زجرة واحدة‏}‏ أي صيحة واحدة وهي نفخة البعث ‏{‏فإذا هم ينظرون‏}‏ يعني أحياء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏20- 26‏]‏

‏{‏وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ ‏(‏20‏)‏ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ‏(‏21‏)‏ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ‏(‏22‏)‏ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ ‏(‏23‏)‏ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ‏(‏24‏)‏ مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ ‏(‏25‏)‏ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ ‏(‏26‏)‏‏}‏

‏{‏وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين‏}‏ يعني يوم الحساب والجزاء ‏{‏هذا يوم الفصل‏}‏ أي القضاء وقيل بين المحسن والمسيء ‏{‏الذي كنتم به تكذبون‏}‏ أي في الدنيا ‏{‏احشروا‏}‏ أي اجمعوا ‏{‏الذين ظلموا‏}‏ أي أشركوا وقيل هو عام في كل ظالم ‏{‏وأزواجهم‏}‏ أي أشباههم وأمثالهم فكل طائفة مع مثلها فأهل الخمر مع أهل الخمر وأهل الزنا مع أهل الزنا وقيل أزواجهم أي قرناءهم من الشياطين يقرن كل كافر مع شيطانه في سلسلة وقيل أزواجهم المشركات ‏{‏وما كانوا يعبدون من دون الله‏}‏ أي في الدنيا يعني الأصنام والطواغيت وقيل إبليس وجنوده ‏{‏فاهدوهم إلى صراط الجحيم‏}‏ قال ابن عباس أي دلوهم إلى طريق النار ‏{‏وقفوهم‏}‏ أي احبسوهم ‏{‏إنهم مسؤولون‏}‏ لما سيقوا إلى النار حبسوا عند الصراط للسؤال قال ابن عباس عن جميع أقوالهم وأفعالهم ويروى عنه عن لا إله إلا الله وروى عن أبي برزة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيما أفناه وعن علمه ماذا عمل به وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن جسمه فيما أبلاه» وفي رواية‏.‏ «عن شبابه فيما أبلاه» أخرجه الترمذي وله عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «قال ما من داع دعا إلى شيء إلا كان موقوفاً يوم القيامة لازماً به لا يفارقه وإن دعا رجل رجلاً» ثم قرأ ‏{‏وقفوهم إنهم مسؤولون ما لكم لا تناصرون‏}‏ أي تقول لهم خزنة جهنم توبيخاً لهم ما لكم لا ينصر بعضكم بعضاً وهذا جواب لأبي جهل حيث قال يوم بدر نحن جميع منتصر قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏بل هم اليوم مستسلمون‏}‏ قال ابن عباس خاضعون‏.‏ وقيل منقادون والمعنى هم اليوم أذلاء منقادون لا حيلة لهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏27- 37‏]‏

‏{‏وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ‏(‏27‏)‏ قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ ‏(‏28‏)‏ قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ‏(‏29‏)‏ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ ‏(‏30‏)‏ فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ ‏(‏31‏)‏ فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ ‏(‏32‏)‏ فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ‏(‏33‏)‏ إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ ‏(‏34‏)‏ إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ‏(‏35‏)‏ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ ‏(‏36‏)‏ بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ ‏(‏37‏)‏‏}‏

‏{‏وأقبل بعضهم على بعض‏}‏ يعني الرؤساء والأتباع ‏{‏يتساءلون‏}‏ يعني يتخاصمون ‏{‏قالوا‏}‏ يعني الرؤساء للأتباع ‏{‏إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين‏}‏ يعني من قبل الدين فتضلوننا وتروننا أن الدين ما تضلوننا به‏.‏ وقيل كان الرؤساء يحلفون لهم أن الدين الذي يدعونهم إليه هو الحق والمعنى أنكم حلفتم لنا فوثقنا بأيمانكم وقيل عن اليمين أي عن العزة والقدرة والقول الأول أصح ‏{‏قالوا‏}‏ يعني الرؤساء للأتباع ‏{‏بل لم تكونوا مؤمنين‏}‏ يعني لم تكونوا على حق حتى نضلكم عنه بل كنتم على الكفر ‏{‏وما كان لنا عليكم من سلطان‏}‏ يعني من قوة وقدرة فنقهركم على متابعتنا ‏{‏بل كنتم قوماً طاغين‏}‏ يعني ضالين ‏{‏فحق علينا‏}‏ يعني وجب علينا جميعاً ‏{‏قول ربنا‏}‏ يعني كلمة العذاب وهي قوله ‏{‏لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين‏}‏ ‏{‏إنا لذائقون‏}‏ يعني أن الضال والمضل جميعاً في النار ‏{‏فأغويناكم‏}‏ فأضللناكم عن الهدى ودعوناكم إلى ما كنا عليه ‏{‏إنا كنا غاوين‏}‏ أي ضالين قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون‏}‏ يعني الرؤساء والأتباع ‏{‏إنا كذلك نفعل بالمجرمين‏}‏ قال ابن عباس الذين جعلوا لله شركاء ثم بين تعالى أنهم إنما وقعوا في ذلك العذاب باستكبارهم عن التوحيد فقال تعالى‏:‏ ‏{‏إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون‏}‏ أي يتكبرون عن كلمة التوحيد ويمتنعون منها ‏{‏ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون‏}‏ يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى رداً عليهم ‏{‏بل جاء بالحق وصدق المرسلين‏}‏ يعني أنه أتى بما أتى به المرسلون قبله من الدين والتوحد ونفي الشرك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏38- 49‏]‏

‏{‏إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ ‏(‏38‏)‏ وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏39‏)‏ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ‏(‏40‏)‏ أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ ‏(‏41‏)‏ فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ ‏(‏42‏)‏ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ‏(‏43‏)‏ عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ ‏(‏44‏)‏ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ‏(‏45‏)‏ بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ‏(‏46‏)‏ لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ ‏(‏47‏)‏ وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ ‏(‏48‏)‏ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ‏(‏49‏)‏‏}‏

‏{‏إنكم لذائقوا العذاب الأليم وما تجزون إلا ما كنتم تعملون‏}‏ أي في الدنيا من الشرك والتكذيب ‏{‏إلا‏}‏ أي لكن وهو استثناء منقطع ‏{‏عباد الله المخلصين‏}‏ أي الموحدين ‏{‏أولئك لهم رزق معلوم‏}‏ يعني بكرة وعشياً وقيل حين يشتهونه يؤتون به وقيل إنه معلوم الصفة من طيب طعم ولذة ورائحة وحسن منظر ثم وصف ذلك الرزق فقال تعالى‏:‏ ‏{‏فواكه‏}‏ جمع فاكهة وهي الثمار كلها رطبها ويابسها وكل طعام يؤكل للتلذذ لا للقوت‏.‏ وقيل إن أرزاق أهل الجنة كلها فواكه لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات لأن أجسادهم خلقت للأبد فكل ما يأكلونه على سبيل التلذذ ثم إن ذلك حاصل مع الإكرام والتعظيم كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وهم مكرمون‏}‏ أي بثواب الله تعالى ثم وصف مساكنهم فقال تعالى‏:‏ ‏{‏في جنات النعيم على سرر متقابلين‏}‏ يعني لا يرى بعضهم قفا بعض ثم وصف شرابهم فقال تعالى‏:‏ ‏{‏يطاف عليهم بكأس من معين‏}‏ كل إناء فيه شراب يسمى كأساً وإذا لم يكن فيه شراب فهو إناء وقد تسمى الخمر نفسها كأساً قال الشاعر‏:‏

وكأساً شربت على لذة *** ومعنى معين أي من خمر جارية في الأنهار ظاهرة تراها العيون ‏{‏بيضاء‏}‏ يعني أن خمر الجنة أشد بياضاً من اللبن ‏{‏لذة‏}‏ أي لذيذة ‏{‏للشاربين لا فيها غول‏}‏ أي لا تغتال عقولهم فتذهب بها وقيل لا إثم فيها ولا وجع البطن ولا صداع وقيل الغول فساد يلحق في خفاء وخمر الدنيا يحصل منها أنواع من الفساد ومنها السكر وذهاب العقل ووجع البطن وصداع الرأس والبول والقيء والخمار والعربدة وغير ذلك ولا يوجد شيء من ذلك في خمر الجنة ‏{‏ولا هم عنها ينزفون‏}‏ أي لا تغلبهم على عقولهم ولا يسكرون وقيل معناه لا ينفد شرابهم ثم وصف أزواجهم فقال تعالى‏:‏ ‏{‏وعندهم قاصرات الطرف‏}‏ أي حابسات الأعين غاضات العيون قصرن أعينهن على أزواجهن فلا ينظرن إلى غيرهم ‏{‏عين‏}‏ أي حسان الأعين عظامها ‏{‏كأنهن بيض مكنون‏}‏ أي مصون مستور شبههن ببيض النعام لأنها تكنها بالريش من الريح والغبار فيكون لونها أبيض في صفرة ويقال هذا من أحسن ألوان النساء وهو أن تكون المرأة بيضاء مشوبة بصفرة والعرب تشبه المرأة ببيض النعامة وتسميهن ببيضات الخدور‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏50- 62‏]‏

‏{‏فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ‏(‏50‏)‏ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ ‏(‏51‏)‏ يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ ‏(‏52‏)‏ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ ‏(‏53‏)‏ قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ ‏(‏54‏)‏ فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ ‏(‏55‏)‏ قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ ‏(‏56‏)‏ وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ‏(‏57‏)‏ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ‏(‏58‏)‏ إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ‏(‏59‏)‏ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ‏(‏60‏)‏ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ‏(‏61‏)‏ أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ‏(‏62‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فأقبل بعضهم على بعض‏}‏ يعني أهل الجنة في الجنة ‏{‏يتساءلون‏}‏ أي يسأل بعضهم بعضاً عن حاله في الدنيا ‏{‏قال قائل منهم‏}‏ أي من أهل الجنة ‏{‏إني كان لي قرين‏}‏ أي في الدنيا ينكر البعث قيل كان قرينه شيطاناً وقيل كان من الإنس قيل كانا أخوين وقيل كانا شريكين أحدهما كافر اسمه قطروس والآخر مؤمن اسمه يهوذا وهما اللذان قص الله عز وجل خبرهما في سورة الكهف في قوله‏:‏ ‏{‏واضرب لهم مثلاً رجلين‏}‏ يقول أئنك لمن المصدقين‏}‏ أي بالبعث ‏{‏أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمدينون‏}‏ أي مجزيون ومحاسبون وهذا استفهام إنكاري ‏{‏قال‏}‏ الله تعالى لأهل الجنة ‏{‏هل أنتم مطلعون‏}‏ أي إلى النار وقيل يقول المؤمن لإخوانه من أهل الجنة هل أنتم مطلعون أي لننظر كيف منزلة أخي في النار فيقول أهل الجنة أنت أعرف به منا ‏{‏فاطلع‏}‏ أي المؤمن قال ابن عباس إن في الجنة كوى ينظر منها أهلها إلى النار ‏{‏فرآه في سواء الجحيم‏}‏ أي فرأى قرينه في وسط النار سمي وسط الشيء سواء لاستواء الجوانب منه ‏{‏قال تالله إن كدت لتردين‏}‏ أي والله لقد كدت أن تهلكني وقيل تغويني ومن أغوى إنساناً فقد أرداه وأهلكه ‏{‏ولولا نعمة ربي‏}‏ أي رحمة ربي وإنعامه علي بالإسلام ‏{‏لكنت من المحضرين‏}‏ أي معك في النار ‏{‏أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى‏}‏ أي في الدنيا ‏{‏وما نحن بمعذبين‏}‏ قيل يقول هذا أهل الجنة للملائكة حين يذبح الموت فتقول الملائكة لهم لا فيقولون ‏{‏إن هذا لهو الفوز العظيم‏}‏ وإنما يقولونه على جهة التحدث بنعمة الله عليهم في أنهم لا يموتون ولا يعذبون ليفرحوا بدوام النعيم لا على طريق الاستفهام لأنهم قد علموا أنهم ليسوا بميتين ولا معذبين ولكن أعادوا الكلام ليزدادوا سروراً بتكراره وقيل يقوله المؤمن لقرينه على جهة التوبيخ بما كان ينكره قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏لمثل هذا‏}‏ أي المنزل والنعيم الذي ذكره في قوله‏:‏ ‏{‏أولئك لهم رزق معلوم‏}‏ ‏{‏فليعمل العاملون‏}‏ هذا ترغيب في ثواب الله تعالى وما عنده بطاعته‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أذلك‏}‏ أي الذي ذكره لأهل الجنة من النعيم ‏{‏خير نزلاً أي رزقاً ‏{‏أم شجرة الزقوم‏}‏ التي هي نزل أهل النار والزقوم شجرة خبيثة مرة كريهة الطعم يكره أهل النار على تناولها فهم يتزقمونه على أشد كراهة وقيل هي شجرة تكون بأرض تهامة من أخبث الشجر‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏63- 74‏]‏

‏{‏إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ ‏(‏63‏)‏ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ‏(‏64‏)‏ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ ‏(‏65‏)‏ فَإِنَّهُمْ لَآَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ‏(‏66‏)‏ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ ‏(‏67‏)‏ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ ‏(‏68‏)‏ إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آَبَاءَهُمْ ضَالِّينَ ‏(‏69‏)‏ فَهُمْ عَلَى آَثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ ‏(‏70‏)‏ وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ ‏(‏71‏)‏ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ ‏(‏72‏)‏ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ ‏(‏73‏)‏ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ‏(‏74‏)‏‏}‏

‏{‏إنا جعلناها فتنة للظالمين‏}‏ أي للكافرين وذلك أنهم قالوا كيف تكون في النار شجرة والنار تحرق الشجر وقال ابن الزبعرى لصناديد قريش إن محمداً يخوفنا بالزقوم والزقوم بلسان بربر الزبد والتمر وقيل هو بلغة أهل اليمن فأدخلهم أبو جهل بيته وقال يا جارية زقمينا فأتتهم بالزبد والتمر فقال أبو جهل تزقموا فهذا ما يوعدكم به محمد فقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم‏}‏ أي في قعر النار وأغصانها ترتفع إلى دركاتها ‏{‏طلعها‏}‏ أي ثمرها سمي طلعاً لطلوعه ‏{‏كأنه رؤوس الشياطين‏}‏ قال ابن عباس هم الشياطين بأعيانهم شبهها لقبحهم عند الناس‏.‏

فإن قلت قد شبهها بشيء لم يشاهد فكيف وجه التشبيه‏.‏

قلت إنه قد استقر في النفوس قبح الشياطين وإن لم يشاهدوا فكأنه قيل إن أقبح الأشياء في الوهم والخيال رؤوس الشياطين فهذه الشجرة تشبهها في قبح المنظر والعرب إذا رأت منظراً قبيحاً قالت كأنه رأس شيطان قال امرؤ القيس‏:‏

أيقتلني والمشرفي مضاجعي *** ومسنونة زرق كأنياب أغوال

شبَّه سنان الرمح بأنياب الغول ولم يرها وقيل إن بين مكة واليمن شجرة قبيحة منتنة تسمى رؤوس الشياطين فشبهها بها وقيل أراد بالشياطين الحيات والعرب تسمي الحية القبيحة المنظر شيطاناً ‏{‏فإنهم لآكلون منها‏}‏ أي من ثمرها ‏{‏فمالئون منها البطون‏}‏ وذلك أنهم يكرهون على أكلها حتى تمتلئ بطونهم ‏{‏ثم إن لهم عليها لشوباً‏}‏ أي خلطاً ومزاجاً ‏{‏من حميم‏}‏ أي من ماء شديد الحرارة يقال إنهم إذا أكلوا الزقوم وشربوا عليه الحميم شاب الحميم الزقوم في بطونهم فصار شوباً لهم ‏{‏ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم‏}‏ وذلك أنهم يردون إلى الجحيم بعد شراب الحميم ‏{‏إنهم ألفوا‏}‏ أي وجدوا ‏{‏آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون‏}‏ أي يسرعون وقيل يعملون مثل عملهم ‏{‏ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين‏}‏ أي من الأمم الخالية ‏{‏ولقد أرسلنا فيهم منذرين‏}‏ أي وأرسلنا فيهم رسلاً منذرين ‏{‏فانظر كيف كان عاقبة المنذرين‏}‏ أي الكافرين وكانت عاقبتهم العذاب ‏{‏إلا عباد الله المخلصين‏}‏ أي الموحدين نجوا من العذاب والمعنى انظر كيف أهلكنا المنذرين إلا عباد الله المخلصين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏75- 91‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ‏(‏75‏)‏ وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ‏(‏76‏)‏ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ ‏(‏77‏)‏ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ ‏(‏78‏)‏ سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ ‏(‏79‏)‏ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ‏(‏80‏)‏ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏81‏)‏ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ ‏(‏82‏)‏ وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ ‏(‏83‏)‏ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ‏(‏84‏)‏ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ ‏(‏85‏)‏ أَئِفْكًا آَلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ ‏(‏86‏)‏ فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏87‏)‏ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ ‏(‏88‏)‏ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ ‏(‏89‏)‏ فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ ‏(‏90‏)‏ فَرَاغَ إِلَى آَلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ‏(‏91‏)‏‏}‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏ولقد نادانا نوح‏}‏ أي دعا ربه على قومه وقيل دعا ربه أن ينجيه من الغرق ‏{‏فلنعم المجيبون‏}‏ نحن أي دعانا فأجبناه وأهلكنا قومه ‏{‏ونجيناه وأهله من الكرب العظيم‏}‏ أي من الغم الذي لحق قومه وهو الغرق ‏{‏وجعلنا ذريته هم الباقين‏}‏ يعني أن الناس كلهم من ذرية نوح عليه السلام قال ابن عباس لما خرج نوح من السفينة مات من كان معه من الرجال والنساء إلا ولده ونساءهم عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل ‏{‏وجعلنا ذريته هم الباقين‏}‏ قال «هم سام وحام ويافث» أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب وفي رواية أخرى سام أبو العرب وحام أبو الحبش ويافث أبو الروم وقيل سام أبو العرب وفارس والروم وحام أبو السودان ويافث أبو الترك والخزر ويأجوج ومأجوج وما هنالك ‏{‏وتركنا عليه في الآخرين‏}‏ أي أبقينا له حسناً وذكراً جميلاً فيمن بعده من الأنبياء والأمم إلى يوم القيامة ‏{‏سلام على نوح في العالمين‏}‏ أي سلام عليه منا في العالمين وقيل تركنا عليه في الآخرين أن يصلي عليه إلى يوم القيامة ‏{‏إنا كذلك نجزي المحسنين‏}‏ أي جزاه الله بإحسانه الثناء الحسن في العالمين ‏{‏إنه من عبادنا المؤمنين ثم أغرقنا الآخرين‏}‏ يعني الكفار‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وإن من شيعته‏}‏ أي من شيعة نوح ‏{‏لإبراهيم‏}‏ يعني أنه على دينه وملته ومنهاجه وسنته ‏{‏إذ جاء ربه بقلب سليم‏}‏ أي مخلص من الشرك والشك وقيل من الغل والغش والحقد والحسد يحب للناس ما يحب لنفسه ‏{‏إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون‏}‏ استفهام توبيخ ‏{‏أئفكاً آلهة دون الله تريدون‏}‏ أي أتأفكون إفكاً وهو أسوأ الكذب وتعبدون آلهة سوى الله تعالى‏:‏ ‏{‏فما ظنكم برب العالمين‏}‏ يعني إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره أنه يصنع بكم ‏{‏فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم‏}‏ قال ابن عباس كان قومه يتعاطون علم النجوم فعاملهم من حيث كانوا يتعاطون ويتعاملون به لئلا ينكروا عليه وذلك أنه أراد أن يكايدهم في أصنامهم ليلزمهم الحجة في أنها غير معبودة، وكان لهم من الغد عيد ومجمع فكانوا يدخلون على أصنامهم ويقربون لهم القرابين ويضعون بين أيديهم الطعام قبل خروجهم إلى عيدهم وزعموا التبرك عليه فإذا انصرفوا من عيدهم أكلوه فقالوا لإبراهيم ألا تخرج معنا إلى عيدنا فنظر في النجوم فقال إني سقيم قال ابن عباس أي مطعون وكانوا يفرون من المطعون فراراً عظيماً وقيل مريض وقيل معناه متساقم وهو من معاريض الكلام وقد تقدم الجواب عنه في سورة الأنبياء وقيل إنه خرج معهم إلى عيدهم فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال إني سقيم أشتكي رجلي ‏{‏فتولوا عنه مدبرين‏}‏ أي إلى عيدهم فدخل إبراهيم عليه الصلاة والسلام على الأصنام فكسرها وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فراغ‏}‏ أي مال ‏{‏إلى آلهتهم‏}‏ ميلة في خفية ‏{‏فقال‏}‏ أي للأصنام استهزاء بها ‏{‏ألا تأكلون‏}‏ يعني الطعام الذي بين أيديكم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏92- 99‏]‏

‏{‏مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ ‏(‏92‏)‏ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ ‏(‏93‏)‏ فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ ‏(‏94‏)‏ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ‏(‏95‏)‏ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ‏(‏96‏)‏ قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ ‏(‏97‏)‏ فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ ‏(‏98‏)‏ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ ‏(‏99‏)‏‏}‏

‏{‏ما لكم لا تنطقون فراغ‏}‏ أي مال ‏{‏عليهم ضرباً باليمين‏}‏ أي ضربهم بيده اليمنى لأنها أقوى من الشمال في العمل‏.‏ وقيل بالقوة والقدرة عليهم وقيل أراد باليمين القسم وهو قوله تعالى ‏{‏وتالله لأكيدن أصنامكم‏}‏ ‏{‏فأقبلوا إليه‏}‏ يعني إلى إبراهيم ‏{‏يزفون‏}‏ أي يسرعون وذلك أنهم أخبروا بصنع إبراهيم بآلهتهم فأسرعوا إليه ليأخذوه ‏{‏قال‏}‏ لهم إبراهيم على وجه الحجاج ‏{‏أتعبدون ما تنحتون‏}‏ أي بأيديكم من الأصنام ‏{‏والله خلقكم وما تعملون‏}‏ أي وعملكم‏.‏ وقيل وخلق الذي تعملونه بأيديكم من الأصنام وفي الآية دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى ‏{‏قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم‏}‏ قيل إنهم بنوا له حائطاً من الحجر طوله في السماء ثلاثون ذراعاً وعرضه عشرون ذراعاً وملؤوه من الحطب وأوقدوا عليه النار وطرحوه فيها وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فأرادوا به كيداً‏}‏ أي شراً وهو أن يحرقوه ‏{‏فجعلناهم الأسفلين‏}‏ يعني المقهورين حيث سلم الله إبراهيم ورد كيدهم ‏{‏وقال‏}‏ يعني إبراهيم ‏{‏إني ذاهب إلى ربي‏}‏ أي مهاجر إلى ربي وأهجر دار الكفر قاله بعد خروجه من النار ‏{‏سيهدين‏}‏ أي إلى حيث أمرني بالمصير إليه وهو أرض الشام فلما قدم الأرض المقدسة سأل ربه الولد‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏100- 103‏]‏

‏{‏رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ‏(‏100‏)‏ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ‏(‏101‏)‏ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ‏(‏102‏)‏ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ‏(‏103‏)‏‏}‏

‏{‏رب هب لي من الصالحين‏}‏ يعني هب لي ولداً صالحاً ‏{‏فبشرناه بغلام حليم‏}‏ قيل غلام في صغره حليم في كبره وفيه بشارة أنه ابن وأنه يعيش وينتهي في السن حتى يوصف بالحلم‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلما بلغ معه السعي‏}‏ قال ابن عباس يعني المشي معه إلى الجبل وعنه أنه لما شبَّ حتى بلغ سعيه سعى مع إبراهيم والمعنى بلغ أن يتصرف معه ويعينه في عمله وقيل السعي العمل لله تعالى وهو العبادة قيل كان ابن ثلاث عشرة سنة وقيل سبع سنين ‏{‏قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك‏}‏ قيل إنه لم ير في منامه أنه ذبحه وإنما أمر بذبحه‏.‏ وقيل بل رأى أنه يعالج ذبحه ولم ير إراقة دمه ورؤيا الأنبياء حق إذا رأوا شيئاً فعلوه واختلف العلماء من المسلمين في هذا الغلام الذي أمر إبراهيم بذبحه على قولين مع اتفاق أهل الكتابين على أنه إسحاق قال قوم هو إسحاق وإليه ذهب من الصحابة عمر وعلي وابن مسعود والعباس ومن التابعين ومن بعدهم كعب الأحبار وسعيد بن جبير وقتادة ومسروق وعكرمة وعطاء ومقاتل والزهري والسدي واختلفت الروايات عن ابن عباس فروى عنه أنه إسحاق وروي أنه إسماعيل ومن ذهب إلى أنه إسحاق قال كانت هذه القصة بالشأم وروي عن سعيد بن جبير قال رأى إبراهيم ذبح إسحاق في المنام وهو بالشأم فسار به مسيرة شهر في غداة واحدة حتى أتى به المنحر من منى فلما أمره الله بذبح الكبش ذبحه وسار به مسيرة شهر في روحة واحدة طويت له الأودية والجبال والقول الثاني أنه إسماعيل وإليه ذهب عبد الله بن سلام والحسن وسعيد بن المسيب والشعبي ومجاهد والربيع بن أنس ومحمد بن كعب القرظي والكلبي ورواية عطاء بن أبي رباح ويوسف بن ماهك عن ابن عباس قال المفدي إسماعيل وكلا القولين يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واحتج من ذهب إلى أن الذبيح إسحاق بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي‏}‏ أمر بذبح من بشر به وليس في القرآن أنه بشر بولد سوى إسحاق كما قال تعالى في سورة هود‏:‏ ‏{‏فبشرناه بإسحاق‏}‏ وقوله ‏{‏وبشرناه بإسحاق نبياً من الصالحين‏}‏ بعد قصة الذبح يدل على أنه تعالى إنما بشره بالنبوة لما تحمل من الشدائد في قصة الذبح فثبت بما ذكرناه أن أول الآية وآخرها يدل على أن إسحاق هو الذبيح وبما ذكر أيضاً في كتاب يعقوب إلى ولده يوسف لما كان بمصر من يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن ابراهيم خليل الله‏.‏

واحتج من ذهب إلى أن الذبيح هو إسماعيل بأن الله تعالى ذكر البشارة بإسحاق بعد الفراغ من قصة الذبيح فقال تعالى‏:‏

‏{‏وبشرناه بإسحاق نبياً من الصالحين‏}‏ فدل على أن المذبوح غيره وأيضاً فإن الله تعالى قال في سورة هود ‏{‏فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب‏}‏ فكيف يأمره بذبح إسحاق وقد وعده بنافلة وهو يعقوب بعده ووصف إسماعيل بالصبر دون إسحاق في قوله ‏{‏وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين‏}‏ وهو صبره على الذبح ووصفه بصدق الوعد بقوله‏:‏ ‏{‏إنه كان صادق الوعد‏}‏ لأنه وعد أباه من نفسه الصبر على الذبح فوفى له بذلك وقال القرطبي سأل عمر بن عبد العزيز رجلاً من علماء اليهود وكان أسلم وحسن إسلامه أي ابني إبراهيم أمره الله تعالى بذبحه فقال إسماعيل ثم قال يا أمير المؤمنين إن اليهود لتعلم ذلك ولكن يحسدونكم يا معشر العرب على أن يكون أباكم هو الذي أمر الله تعالى بذبحه ويدعون أنه إسحاق أبوهم ومن الدليل أيضاً أن قرني الكبش كانا معلقين على الكعبة في أيدي بني إسماعيل إلى أن احترق البيت في زمن ابن الزبير‏.‏ قال الشعبي رأيت قرني الكبش منوطين بالكعبة‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ والذي نفسي بيده لقد كان أول الإسلام وإن رأس الكبش لمعلق بقرنيه في ميزاب الكعبة وقد وحش يعني يبس وقال الأصمعي سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح إسحاق كان أو إسماعيل‏؟‏ فقال يا أصمعي أين ذهب عقلك متى كان إسحاق بمكة إنما كان إسماعيل وهو الذي بنى البيت مع أبيه والله تعالى أعلم‏.‏

‏(‏ذكر الإشارة إلى قصة الذبح‏)‏

قال العلماء بالسير وأخبار الماضين لما دعا إبراهيم ربه فقال‏:‏ رب هب لي من الصالحين وبشر به قال هو إذاً لله ذبيح فلما ولد وبلغ معه السعي قيل له أوفِ بنذرك‏.‏ هذا هو السبب في أمر الله تعالى إياه بالذبح فقال لإسحاق انطلق نقرب لله قرباناً فأخذ سكيناً وحبلاً وانطلق معه حتى ذهب بين الجبال فقال الغلام يا أبت أين قربانك فقال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر‏.‏ وقال محمد بن إسحاق كان إبراهيم عليه السلام إذا زار هاجر وإسماعيل حمل على البراق فيغدو من الشام فيقيل بمكة ويروح من مكة فيبيت عند أهله بالشام حتى إذا بلغ إسماعيل معه السعي وأخذ بنفسه ورجاه لما كان يؤمل فيه من عبادة ربه وتعظيم حرماته أمر في المنام بذبحه وذلك أنه رأى ليلة التروية كأن قائلاً يقول له إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا فلما أصبح تروى في نفسه أي فكر من الصباح إلى الرواح أمن الله هذا الحلم أم من الشيطان‏؟‏ فمن ثم سمي ذلك اليوم يوم التروية فلما أمسى رأى في المنام ثانياً فلما أصبح عرف أن ذلك من الله تعالى فسمي ذلك اليوم يوم عرفة‏.‏

وقيل رأى ذلك ثلاث ليال متتابعات فلما عزم على نحره سمي ذلك اليوم يوم النحر فلما تيقن ذلك أخبر به ابنه فقال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك ‏{‏فانظر ماذا ترى‏}‏ أي في الرأي على وجه المشاورة‏.‏

فإن قلت‏:‏ لم شاوره في أمر قد علم أنه حتم من الله تعالى وما الحكمة في ذلك‏.‏

قلت لم يشاوره ليرجع إلى رأيه وإنما شاوره ليعلم ما عنده فيما نزل به من بلاء الله تعالى وليعلم صبره على أمر الله وعزيمته على طاعته ويثبت قدمه ويصبره إن جزع ويراجع نفسه ويوطنها ويلقى البلاء وهو كالمستأنس به ويكتسب المثوبة بالانقياد لأمر الله تعالى قبل نزوله‏.‏

فإن قلت لم كان ذلك في المنام دون اليقظة وما الحكمة في ذلك‏؟‏ قلت إن هذا الأمر كان في نهاية المشقة على الذابح والمذبوح‏.‏

فورد في المنام كالتوطئة له ثم تأكد حال النوم بأحوال اليقظة فإذا تظاهرت الحالتان كان أقوى في الدلالة ورؤيا الأنبياء وحي وحق ‏{‏قال يا أبت افعل ما تؤمر‏}‏ يعني قال الغلام لأبيه افعل ما أمرت به قال ابن إسحاق وغيره لما أمر إبراهيم بذلك قال لابنه يا بني خذ الحبل والمدية وانطلق إلى هذا الشعب نحتطب فلما خلا إبراهيم بابنه في الشعب أخبره بما أمر الله به فقال افعل ما تؤمر ‏{‏ستجدني إن شاء الله من الصابرين‏}‏ إنما علق ذلك بمشيئة الله تعالى على سبيل التبرك وأنه لا حول عن معصية الله تعالى إلا بعصمة الله تعالى ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله ‏{‏فلما أسلما‏}‏ يعني انقادا وخضعا لأمر الله وذلك أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام أسلم ابنه وأسلم الابن نفسه ‏{‏وتله للجبين‏}‏ يعني صرعه على الأرض قال ابن عباس أضجعه على جبينه على الأرض فلما فعل ذلك قال له ابنه يا أبت أشدد رباطي كيلاً أضطرب واكفف عن ثيابك حتى لا ينتضح عليها شيء من دمي فينقص أجري وتراه أمي فتحزن واستحد شفرتك وأسرع مرَّ السكين على حلقي ليكون أهون عليّ فإن الموت شديد، وإذا أتيت أمي فاقرأ عليها السلام مني وإن رأيت أن ترد قميصي على أمي فافعل فإنه عسى أن يكون أسلى لها عني فقال إبراهيم عليه السلام‏:‏ نعم العون أنت يا بني على أمر الله ففعل إبراهيم ما أمره به ابنه ثم أقبل عليه يقبله وهو يبكي وقد ربطه والابن يبكي ثم إنه وضع السكين على حلقه فلم تحك شيئاً‏.‏ ثم إنه حدها مرتين أو ثلاثاً بالحجر كل ذلك لا يستطيع أن يقطع شيئاً‏.‏ قيل ضرب الله تعالى صفيحة من نحاس على حلقه والأول أبلغ في القدرة وهو منع الحديد عن اللحم قالوا فقال الابن عند ذلك‏:‏ يا أبت كبني لوجهي فإنك إذا نظرت وجهي رحمتني وأدركتك رقة تحول بينك وبين أمر الله تعالى وأنا لا أنظر إلى الشفرة فأجزع منها ففعل إبراهيم عليه الصلاة والسلام ذلك ثم وضع السكين على قفاه فانقلبت ونودي يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏104- 106‏]‏

‏{‏وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ ‏(‏104‏)‏ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ‏(‏105‏)‏ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ ‏(‏106‏)‏‏}‏

‏{‏وناديناه‏}‏ أي فنودي من الجبل ‏{‏أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا‏}‏ أي حصل المقصود من تلك الرؤيا حيث ظهر منه كمال الطاعة والانقياد لأمر الله تعالى وكذلك الولد‏.‏

فإن قلت كيف قيل قد صدقت الرؤيا وكان قد رأى الذبح ولم يذبح وإنما كان تصديقها لو حصل منه الذبح‏.‏

قلت جعله مصدقاً لأنه بذل وسعه ومجهوده وأتى بما أمكنه وفعل ما يفعله الذابح فقد حصل المطلوب وهو إسلامهما لأمر الله تعالى وانقيادهما لذلك فلذلك قال له قد صدقت الرؤيا ‏{‏إنا كذلك نجزي المحسنين‏}‏ يعني جزاه الله بإحسانه في طاعته العفو عن ذبح ولده والمعنى إنا كما عفونا عن ذبح ولده كذلك نجزي المحسنين في طاعتنا ‏{‏إن هذا لهو البلاء المبين‏}‏ أي الاختبار الظاهر حيث اختبره بذبح ولده‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏107- 116‏]‏

‏{‏وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ‏(‏107‏)‏ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ ‏(‏108‏)‏ سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ‏(‏109‏)‏ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ‏(‏110‏)‏ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏111‏)‏ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ‏(‏112‏)‏ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ ‏(‏113‏)‏ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ ‏(‏114‏)‏ وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ‏(‏115‏)‏ وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ ‏(‏116‏)‏‏}‏

‏{‏وفديناه بذبح عظيم‏}‏ قيل نظر إبراهيم فإذا هو بجبريل ومعه كبش أملح أقرن فقال هذا فداء ابنك فاذبحه دونه فكبر إبراهيم وكبر جبريل وكبر الكبش فأخذه إبراهيم وأتى به المنحر من منى فذبحه قال أكثر المفسرين كان هذا الذبح كبشاً رعى في الجنة أربعين خريفاً وقال ابن عباس الكبش الذي ذبحه إبراهيم هو الذي قربه ابن آدم قيل حق له أن يكون عظيماً وقد تقبل مرتين وقيل سمي عظيماً لأنه من عند الله تعالى‏.‏ وقيل لعظمه في الثواب وقيل لعظمه وسمنه وقال الحسن ما فدى إسماعيل إلا بتيس من الأروى أهبط عليه من ثبير ‏{‏وتركنا عليه في الآخرين‏}‏ أي تركنا له ثناء حسناً فيمن بعده ‏{‏سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين‏}‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وبشرناه بإسحاق نبياً من الصالحين‏}‏ أي بوجود إسحاق وهذا على قول من يقول إن الذبيح هو إسماعيل ومعناه أنه بشر بإسحاق بعد هذه القصة جزاءً لطاعته وصبره ومن جعل الذبيح هو إسحاق قال معنى الآية وبشرناه بنبوة إسحاق‏.‏ وكذا روى عن ابن عباس قال بشر به مرتين حين ولد وحين نبئ ‏{‏وباركنا عليه‏}‏ يعني على إبراهيم في أولاده ‏{‏وعلى إسحاق‏}‏ أي يكون أكثر الأنبياء من نسله ‏{‏ومن ذريتهما محسن‏}‏ أي مؤمن ‏{‏وظالم لنفسه‏}‏ أي كافر ‏{‏مبين‏}‏ أي ظاهر الكفر وفيه تنبيه على أنه لا يلزم من كثرة فضائل الأب فضيلة الابن‏.‏

قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏ولقد مننا على موسى وهارون‏}‏ أي أنعمنا عليهما بالنبوة والرسالة ‏{‏ونجيناهما وقومهما‏}‏ يعني بني إسرائيل ‏{‏من الكرب العظيم‏}‏ يعني الذي كانوا فيه من استبعاد فرعون إياهم وقيل هو إنجاؤهم من الغرق ‏{‏ونصرناهم‏}‏ يعني موسى وهارون وقومهما ‏{‏فكانوا هم الغالبين‏}‏ أي على القبط‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏117- 123‏]‏

‏{‏وَآَتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ ‏(‏117‏)‏ وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ‏(‏118‏)‏ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآَخِرِينَ ‏(‏119‏)‏ سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ ‏(‏120‏)‏ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ‏(‏121‏)‏ إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏122‏)‏ وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ‏(‏123‏)‏‏}‏

‏{‏وآتيناهما الكتاب‏}‏ يعني التوراة ‏{‏المستبين‏}‏ المستنير ‏{‏وهديناهما الصراط المستقيم‏}‏ أي دللناهما على طريق الجنة ‏{‏وتركنا عليهما في الآخرين‏}‏ أي الثناء الحسن ‏{‏سلام على موسى وهارون إنا كذلك نجزي المحسنين إنهما من عبادنا المؤمنين‏}‏ قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏وإن الياس لمن المرسلين‏}‏ روي عن ابن مسعود أنه قال إلياس هو إدريس وكذلك هو في مصحفه وقال أكثر المفسرين هو نبي من أنبياء بني إسرائيل قال ابن عباس هو ابن عم اليسع وقال محمد بن إسحاق هو الياس بن بشر بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران‏.‏

‏(‏ذكر الإشارة إلى القصة‏)‏

قال محمد بن إسحاق وعلماء السير والأخبار لما قبض الله عز وجل حزقيل النبي عليه الصلاة والسلام عظمت الأحداث في بني إسرائيل وظهر فيهم الفساد والشرك ونصبوا الأصنام وعبدوها من دون الله عز وجل، فبعث الله عز وجل إليهم إلياس نبياً وكان الأنبياء يبعثون من بعد موسى عليه الصلاة والسلام في بني إسرائيل بتجديد ما نسوا من أحكام التوراة وكان يوشع لما فتح الشام قسمها على بني إسرائيل وإن سبطاً منهم حصل في قسمته بعلبك ونواحيها وهم الذين بعث إليهم إلياس وعليهم يومئذ ملك اسمه آجب وكان قد أضل قومه وجبرهم على عبادة الأصنام وكان له صنم من ذهب طوله عشرون ذراعاً وله أربعة وجوه اسمه بعل وكانوا قد فتنوا به وعظموه وجعلوا له أربعمائة سادن وجعلوهم أنبياء فكان الشيطان يدخل في جوف بعل ويتكلم بشريعة الضلالة والسدنة يحفظونها عنه ويبلغونها الناس وهم أهل بعلبك وكان إلياس يدعوهم إلى عبادة الله عز وجل وهم لا يسمعون له ولا يؤمنون به إلا ما كان من أمر الملك فإنه آمن به وصدقه فكان إلياس يقوم بأمره ويسدده ويرشده وكان للملك امرأة جبارة وكان يستخلفها على ملكه إذا غاب فغصبت من رجل مؤمن جنينة كان يتعيش منها فأخذتها وقتلته فبعث الله سبحانه وتعالى إلياس إلى الملك وزوجته وأمره أن يخبرهما أن الله عز وجل قد غضب لوليه حين قتل ظلماً وآلى على نفسه أنهما إن لم يتوبا عن صنيعهما ويرد الجنينة على ورثة المقتول أهلكهما في جوف الجنينة ثم يدعهما جيفتين ملقاتين فيها ولا يتمتعان فيها إلا قليلاً فجاء إلياس فأخبر الملك بما أوحى الله إليه في أمره وأمر امرأته والجنينة فلما سمع الملك ذلك غضب واشتد غضبه عليه وقال يا إلياس والله ما أرى ما تدعونا إليه إلا باطلاً وهمَّ بتعذيب إلياس وقتله فلما أحس إلياس بالشر رفضه وخرج عنه هارباً ورجع الملك إلى عبادة بعل ولحق إلياس بشواهق الجبال فكان يأوي إلى الشعاب والكهوف فبقي سبع سنين على ذلك خائفاً مستخفياً يأكل من نبات الأرض وثمار الشجر وهم في طلبه وقد وضعوا عليه العيون والله يستره منهم‏:‏ فلما طال الأمر على إلياس وسكنى الكهوف في الجبال وطال عصيان قومه ضاق بذلك ذرعاً فأوحى الله تعالى إليه بعد سبع سنين وهو خائف مجهود يا إلياس ما هذا الحزن والجزع الذي أنت فيه ألست أميني على وحيي وحجتي في أرضي وصفوتي من خلقي سلني أعطك فإني ذو الرحمة الواسعة والفضل العظيم قال يا رب تميتني وتلحقني بآبائي فإني قد مللت بني إسرائيل وملوني فأوحى الله تعالى إليه يا إلياس ما هذا باليوم الذي أعرى منك الأرض وأهلها وإنما صلاحها وقوامها بك وبأشباهك وإن كنتم قليلاً ولكن سلني أعطك فقال إلياس إن لم تمتني فأعطني ثأري من بني إسرائيل قال الله عز وجل وأي شيء تريد أن أعطيك قال تملكني خزائن السماء سبع سنين فلا تسير عليهم سحابة إلا بدعوتي ولا تمطر عليهم قطرة إلا بشفاعتي فإنه لا يذلهم إلا ذلك قال الله عز وجل يا إلياس أنا أرحم بخلقي من ذلك وإن كانوا ظالمين قال فست سنين قال أنا أرحم بخلقي من ذلك قال فخمس سنين قال أنا أرحم بخلقي ولكن أعطيك ثأرك ثلاث سنين أجعل خزائن المطر بيدك قال إلياس فبأي شيء أعيش يا رب قال أسخر لك جيشاً من الطير ينقل لك طعامك وشرابك من الريف والأرض التي لم تقحط قال إلياس قد رضيت فأمسك الله عز وجل عنهم المطر حتى هلكت الماشية والهوام والشجر وجهد الناس جهداً شديداً وإلياس على حاله مستخفياً من قومه يوضع له لرزق حيث كان وقد عرف قومه ذلك‏.‏

قال ابن عباس أصاب بني إسرائيل ثلاث سنين القحط فمر إلياس بعجوز فقال لها أعندك طعام قالت نعم شيء من دقيق وزيت قليل قال فدعا به ودعا فيه بالبركة ومسه حتى ملأ جرابها دقيقاً وملأ خوابيها زيتاً فلما رأوا ذلك عندها قالوا من أين لك هذا قالت مر بي رجل من حاله كذا وكذا فوصفته بصفته فعرفوه وقالوا ذلك إلياس فطلبوه فوجدوه فهرب منهم ثم إنه آوى إلى بيت امرأة من بني إسرائيل ولها ابن يقال له اليسع بن أخطوب بن ضر فآوته وأخفت أمره فدعا لابنها فعوفي من الضر الذي كان به واتبع اليسع إلياس وآمن به وصدقه ولزمه وذهب معه حيثما ذهب‏.‏ وكان إلياس قد كبر وأسن واليسع غلام شاب ثم إن الله تعالى أوحى إلى إلياس إنك قد أهلكت كثيراً من الخلق ممن لم يعص من البهائم والدواب والطير والهوام بحبس المطر فيزعمون أن إلياس قال‏:‏ يا رب دعني أكن أنا الذي أدعو لهم بالفرج مما هم فيه من البلاء لعلهم يرجعون عما هم فيه ينزعون عن عبادة غيرك فقيل له نعم‏.‏